27/03/2017
علي محمد جعص يكتب:"صمت الولادة وصرخة الفناء"
17/02/2017 11:07
علي محمد جعص

هناك فرق بين أن تستخدم العلم لتبرير فكرة الدين وبين أن تستخدمه للفهم السليم. إذ إن هناك تناقض قائم بين علمية الغرب الذي يدعونا لاستقاء اكتشافاته وبين الشرق الذي يدعوهم لتشرب أفكاره وبخاصة الدينية. ولكن ومن جهة أخرى فالكون بكل ما فيه قائم على التناقضات الطلسمية ليحرك في المادة الواعية تناسقًا لإدراك صورة أشبه بخارطة مستقبلية. فالقرآن يأمر الناس "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"، لم يقل فاسمعوا كيف بدأ الخلق. 
 
لا أقصد هنا عدم الإنصات لأهل العلم المادي أو الديني، بل أبعد من ذلك أي إلى لحظة الانفجار الكوني العظيم الذي لا يستطيع العقل البشري تخيله فضلًا عن التناقض القائم فيه وبلحظته. إذ كيف سيخيل إليك أن مثل هذا الانفجار الهائل قد ولد صامتًا! وهذا ما يقودنا لتفسير التناقض الذي يولد في وعينا وقصر نظرنا وهو ليس انحراف في مسار الطبيعة والتي لامسنا فيها الانفجار بصوت مدوي على كوكبنا بينما هنالك انفجار لا يقاس بأي جهاز علمي لم يحمل صوتًا بتاتًا. فمن الطبيعي أن هناك تفسيرات علمية لهذه الحالة ككثافة المادة حينها وعدم وجود فجوات كونية ينتقل إليها الصوت في كون كان بحجم كفة اليد بداية. فضلًا عن استحالة تنقل الأصوات في الفضاء. هذا دون إغفال المادة والطاقة المظلمة في الفضاء والتي تقطن في ما يسمى بالفراغ بين الكواكب والمجرات والتي تعد بنسبة 90 بالمئة من المادة غير المرئية وكثافتها الهائلة مقارنة بالكون المرئي. 
 
ما أكتبه هنا من الممكن الاطلاع عليه من مواقع تعنى بالفلك ونشأة الكون. لكن ما شدني في تلك المعلومات هو أنها قد أزاحت الستار عن تساؤل لطالما راود مخيلتي. والمتمثل بإجابة منطقية لسؤال: لماذا هناك، وحسب القرآن الكريم، نفختان معنيتان بانتهاء الكون وبداية الآخرة ولم يدعي القرآن وجود نفخة مرادفة كانت عند بداية الخلق أو بالأحرى الانفجار العظيم. كمثل سباق تبدأه صافرة وتنهيه صافرة. 
 
من المعلوم أن النفخة الأولى في نهاية العالم سيسمعها كل من في السموات والأرض وسيصعق ويفزع كل من سيسمعها. فماذا لو أقر القرآن بأن نفخة كانت في البداية ثم اكتشف العلم بأن النفخة والتي من المفروض أن تمثل صيحة كونية لم تكن أصلا وبأن الكون ولد وانفتق صامتًا؟! ما يعني أننا بصدد دقة قرآنية تتوازى ودقة كونية تمثل معجزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. 
 
ومن جهة أخرى فقد تنسجم تفسيرات أخرى بأن الله لم يأمر بالنفخ في بداية الكون وأمر بالنفخ في الصور في نهايته كإشارة إلى أن ما يعرف بالانفجار الكبير لم يكن البداية. وإلا كيف نفسر وجود النقطة الكونية الهائلة الكثافة وكيف تفجرت لتنشأ هذه المنظومة المتناسقة والمنسجمة بكل عناصرها وذراتها مع بعضها البعض. ما يعني أن العلم لم يقبض بحقيقة الأرض كاملة ولم يطوي نشأة السموات بيمينه. فما أوتي البشر من العلم إلا القليل, ولا أحسب حاليًا أن هناك علومًا غير كونية ستتسع لها العقول مهما عظمت بالذكاء. بدليل الآية في سورة الكهف "ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدًا". 
 
قد يتبادر للذهن أن تشكل جاذبية المادة عاملًا موازيًا لصد وإخفاء الصوت في الانسحاق العظيم شأنه والانفجار العظيم؟ في هذا يغلب اليقين دون أن نغفل عن الفرضيات العلمية. فالتحدث عن النهاية مختلف تمامًا عن البداية في أمور كثيرة، منها سرعة الانسحاق المضاعفة عن سرعة توسع الكون. 
كما أن المادة في هذا الطور ستفنى وتتلاشى. فسرعة الضوء مثلًا مخولة بإرجاع تاريخ الكون فما بالنا بسرعة لا تضاهيها سرعة في نهاية الكون علمًا بأن الكون تقاس المسافات بينه بسرعة الضوء لكنه يتوسع بسرعة تفوق ذلك بل وتتعدى دفع الجاذبية الأمر الذي ما زال يمثل سرًا كونيًا ومعضلة أمام العلماء إلى الآن. 
 
فقد قلنا إن كثافة المادة المظلمة وطاقتها تحول بين انطلاق الصوت في الفضاء. ولكن يبقى مصيرها مجهولًا عند قيام الساعة وما المصير الذي ستؤول إليه تلك المادة، إضافة إلى الثقوب السوداء المنتشرة في الكون والتي تحوي داخلها جاذبية استثنائية وطاقة عالية. وفناؤها يعني إفساح المجال لانتقال الصوت أو لعل التوسع الكوني بمساره السريع قد أحدث موادَّ قابلة لانطلاق الصوت تمامًا كما تمر طائرة تسير بسرعة الصوت لتحدث في سمائنا سحبًا صغيرة واهتزازات سنشعر بها بعد مرورها. 
 
وقد تكون تفسيرات علمية دقيقة تسبق الفرضيات، ولكن ما يعنينا هنا أن النفخ في الصور وآثار صيحته لم تكن في البداية لتصعق وتفزع مخلوقات السموات والأرض. وبأن البشر قد استدلوا على الانفجار العظيم بالرؤية البصرية المجهرية هم ذاتهم الذين سيستدلون على الانسحاق العظيم بالصوت! ما يفسر السرد القرآني في المشهد الأرضي وفي استقبال أهوال يوم القيامة كالناس الذين سيتصرفون كالسكارى والحوامل اللواتي سيجهضن من وقعها. بما يعني والله أعلم أن هذا النفخ الصوتي المرعب سيتتابع ويتعاظم تدريجيًا كأنه أتى من مكان كوني بعيد. ما يفسر الحالات البشرية المتلقية للحدث ولو سبقت الانفجارات الكونية مثل تصادم المجرات والنجوم والكواكب هذا الصوت الاذن بالنهاية لما كان هناك فرصة طرفة عين لأحد بمشاهدة لمحة بصر أو طرفة عين للمشهد. علما بأن الصوت بطبيعته قد يتسبب بانفجارات في الأذن وأعضاء في الجسد كالرئات والقلب والدماغ فضلًا عن إذابة الصخور إذا تعاظم، وهذه قوة لطاقة الصوت المدمرة والمبعثرة للمادة محسومة علميًا. 
 
الغريب في مخيلة الناس اعتقادهم أن الساعة مرهونة بوصول الأرض إلى نهاية الكون أو مسار الاتساع، متناسين أن مجرات قد سبقت مجرتنا في الاتساع وكواكب سبقت كوكبنا،  فالقرآن يصرح بأن الساعة آتية أي ستأتينا دون أن نأتيها نحن، ما يعني أن هناك نقطة سينطلق الانسحاق العظيم من خلالها تمامًا كنقطة بداية الانفجار العظيم. ويعني أن اندثار الكون بمجراته لن يكون في آن واحد وإلا لما سنحت لنا الفرصة بسماع نذير النفخة، ولا أريد أن أغالي في الرأي لأدعي أن الساعة قائمة وبأنها قادمة إلينا بالصوت قبل الصورة. فهناك الآيات مثل "اقتربت الساعة" والتصريح باقترابها يعد تصريحًا غير مباشر بحالة ابتعادها في فترة ما، ناهيك أن الاقتراب يشير لشيء قائم كأن نقول اقترب نيزكًا لمحور الأرض ما يعني خطره قائم بذاته وانطلاقته. 
 
ما يلفت في الأمر هو استخدام مصطلح الساعة في القرآن للإشارة إلى يوم القيامة. والساعة إنما تمثل الزمن الموقوت للكون، ما يعني أن الكون سيسحق وسيطوى بتلقائيته وبعوامله الداخلية وليس بعوامل خارجية كما يزعم بعض العلماء كاصطدام كوننا بكون آخر. أي أنه وفقًا لهذا الزعم لا نهائية لتوسع الكون لو لم يصطدم بمعيقات. لكنه توقيت ينذر بانسحاق المادة بالنفخ وقوة الصوت كما ينذر بانسحاق الزمن ليتهيأ بعد ذلك إعادة الكون لنشأته الأولى والزمن لهيئة أخرى. أو ليعيدنا الزمن لأرض غير الأرض كما ذكر في القرآن ولينفخ بعدها في الصور المرة الثانية ليقوم الناس لحسابهم ما يعني أن الصور سيبقى قائمًا حتى بعد فناء الكون !
 

الاسم
عنوان
الرسالة
ارسل
Powered & Designed by