X
X
| 13/12/2017
أخبار سريعة 13/12/2017
استطلاع رأي رأيك يهمنا..
ما رأيك بالزوجة التي تزوج زوجها من امراة اخرى؟؟
بيوت المسيئين!
11/03/2017 11:00
علي جعص

ليس هناك أكثر انحرافًا من شبهة ادعاء الحرفة، فعندما يتجاوز "الكاتب" اقتباس الكلمة إلى حدود نقل الفكرة ليمارس التفوق الأخلاقي على القراء لا ثبات القلم. وعندما يتملق المسؤولين والذين وصلوا إلى أماكنهم بفعل سحر الشبهات واستغلال الجرف الإيماني الاجتماعي. وعندما يستعلي الداعية بمفعول خطابه التاريخي المنقول حرفًا وطلسمًا. عندها فقط تفقد الأمور حسها الإنساني وإحساسها الحضاري، لتقذف كل القضايا حينها في ملف واحد! 
 
فأم الفحم بكافة مؤسساتها ومسؤوليها وحراكها الديني والوطني قد وصل برها بالبلد لإقامة ما اعتبر مستحيلًا في الماضي ألا وهو احتضان كافة مشاريع الأسرلة من مدينة بلا عنف إلى الشرطة الجماهيرية إلى الخدمة المدنية. لنراها بعد ذلك تتبرأ إلى الله وتنفض إيمانها إذا طرحت فكرة إقامة بيت للمسنين. فتلك في أعينهم إساءة في مشروع يستطيعون الرد عليه ورفضه باعتبار أنهم بصدد شريحة ضعيفة بحكم الطبيعة. وليس هناك سند قوي لهم يمكنه أن يحاججهم بالبينة والمنطق العلمي. لذا فسترى "الكتاب" والدعاة والمسؤولين سيستفرسون في الهجوم الضاري البربري الفاقد للحس لشيطنة مشروع تبنته كل مجتمعات ودول العالم ومن ضمنها الدول الإسلامية! 
 
وقد عجبت لمن يتناول هذا الموضوع الحساس بخطوط عريضة ودون الدخول في التفاصيل. فيختزل نسبة بر الأبناء أو درجة عقوقهم ببيت المسنين. ولو فرضنا جدلًا صحة حديثه فما ذنب الآباء أن يحرموا بعقوق أبنائهم من امتيازات وجهود مادية وبشرية المفروض أن توفر شروط حياتية وصحية تليق بهم؟ بل يستطرد أحدهم في بغيه وكأنه تلقى علمه من الله مباشرة بأن يوجه أحكامًا تتعدى الأبناء ليتهم تبطينًا ظاهرًا بأن وجود أحد الوالدين في بيت المسنين إنما بسبب أعمال باطلة قام بها فحاسبه القدر على ذلك! وإن سألته هل زرت أو تفقدت إحدى تلك البيوت أو ساهمت بها كما يساهم بعض أغنيائنا بالتبرع للمستشفيات العامة فسيكون الجواب أنه لم يعطي حكمه على شريحة كبيرة محترمة  فرصة واحدة للتحقق. لأن همه في اعتقاده أن في المنصب الإداري أو في الشهرة الصحفية هو التفوق الأخلاقي والذي سيجني له ما جنى لغيره التعالي الديني! 
 
في نظرة دقيقة ومتفحصة على بيت المسنين نجد الكثير من الأقسام. ودعوني هنا أستدل بمثل بيت الآباء في قرية دبورية الجليلية. فعندما تدخله ستجد مركزًا يوميًا لمسني القرية، ثم ستتقدم لتجد قسم لمن ساقه القدر وحتمت عليه الظروف كهجرة الأبناء أو مشاكل صحية تعني بالكبر أو قصص تراجيدية مؤسفة كالفقر وانعدام السكن وصعوبة العيش وحيدًا وهي قليلة. 
 
ثم ستدخل لتجد قسمًا طبيًا يعنى بأمراض الزهايمر وفقدان الذاكرة وخلل بالصحة الذهنية. ثم ستنطلق إلى الأعلى لتجد قسمين آخرين لا يختلفان عن أي قسم في أي مستشفى مهني. وغالبًا ما يكون الوافدون إليه قد نقلوا من المستشفيات بعد عناية مركزة وخطر يتطلب المتابعة الصحية الدائمة. لذا فهناك طبيب مداوم طيلة النهار وممرضون وممرضات على مدار الليل والنهار. وهناك معالجون متفانون في خدمتهم بالإضافة لعلاج الفيزوترابيا والعلاج بالتشغيل، وعمال مطبخ ومغسلة يقدمون الطعام الصحي بوفرة ويغسلون الملابس وملاءات الأسرة بشكل يومي. وكذلك إدارة على أعلى مستويات الأكاديمية والتخصص، وعاملة اجتماعية مقيمة، ومتخصصة شعر قص وتسريح وقاصة أظافر لليدين والأرجل بتخصص طبي وبشكل دائم. ما يترتب على ذلك توفير المناخ اللازم للمسنين بالشعور بالراحة والأمان الصحي الذي يحتاجون إليه في ظروف توعكات صحية وإعاقات دائمة. ولم يحدث أن اعتُديَ هناك على أحد المرضى وهذا المعنى أدق من تسمية المسنين لأن من المقيمين هناك ما دون سن الشيخوخة فمنهم بالكاد وصل إلى العقد الخامس فقط! 
 
في المقابل، فإن استخدام مصطلح عقوق الوالدين ليس لافتة دينية ومرسوم إلهي خاص ببيت المسنين. فالعاق لوالديه سيعقهم في كل مكان وزمان، لذا ستتفاجأ عندما ترى عموم الزائرين من الأبناء والأقارب لذويهم هناك. وستشعر بالدفء العاطفي لهؤلاء الأبناء وقد يتعلم قلبك نبض الحقيقة عندما ترى دموع الزائرين وأحزانهم الدفينة ببعدهم عن أحد الوالدين. وهل تعلم أن أكثر حديث داخلي يدور أثناء التعارف لهؤلاء الأبناء الذين حضروا ليبروا آباءهم وأمهاتهم من شتى المناطق؟ هو اتهامك لهم بالعقوق وكذا اتهام والديهم بالاستحقاق القدري! وكذلك إهدار إخلاص  وجهود عاملين وكأن عملهم سراب يحسبه الظمآن ماءً. 
 
وكذلك لعبك كداعية ومدعي كتابة بالنرد لتحول مكانًا إنسانيًا وحضاريًا من الدرجة الأولى وكأنه مكان فيه رجس من عمل الشيطان كمحلات القمار التي تملأ بلدك وتطل عليها من شرفتك! 
 
ليس مستغربًا بعد ذلك أن يتحول بيت المسنين إلى بيت المسيئين في نظرك فتحرف وعي العامة بكل "استحياء" ثم لا ندري كيف تأتيك الجرأة على تبني مشاريع هادمة. فالبر لا يقبل القسمة،  بر الوالدين جزء لا يتجزأ من بر الوطن والبلد والدين، فقد يهجرك وطنك فتسعى إليه بخطاك وفؤادك وقد يحتضك قربًا فتخونه. وقد تجد من البر المزعوم من خان رحم وطنه ليلصق قذارته في حضن أمه فيكويها بالقرب ألمًا عندما اختار أن يبكي مئة أم على ألا تبكي أمه. 
 
ومن الجدير بالذكر تلك الأمراض العصرية التي باتت تهدد الدماغ البشري، فعقوق البلد المنصبة في الاستغلال المادي في التربح من الأنتينات الخليوية حتى أصبحت الجلطة الدماغية خطرًا يهدد كبارنا. ثم يتغير دماغ الكبير الوقور فيصبح كدماغ طفل صغير. وقد يفقد نعمة الحركة والنطق والنظر وقد تُبتر أعضاء وأطراف منه، فيرى في الطبيب خير أمان من أبنائه فينعم في الأجواء الطبية الآمنة نتيجة خوفه الأكبر من أجواء بيته. 
ذلك البيت الذي كان يزوره فيه ثلة من الزائرين في أوقات فراغهم، ومنهم بحسن نية وقلة دراية قد يوظف زيارته لانهيار معنوي للمسن عندما يتعامل معه كقطعة لحم بالية وكفاقد للعقل. فينسى الزائرون أن هناك إدراك 
داخلي ولو محدود للمسن بكل حديث ونظرة توجه إليه. فيتسامرون بالحديث عنه بلمحة من اللوعة ثم يعددون مشاكله الصحية فيقومون بعد ذلك حامدين الله على نعمة صحتهم أمامه ليستودعوه لأفكاره ومخاوفه وحسرته على مصابه. لذا فترى من ابتلي بتلك الأمراض يعزف عن زائريه بعدة وسائل كافتعاله حالة النوم، أو إبداء العصبية والصراخ كتعبير عن استيائه الواعي لآراء محيطة غير واعية. 
وعليه، فإن الآباء والأمهات ليسوا مجرد حصالة حسنات. ووضعهم الصحي ليس مدخرًا للأبناء ليجنوا ثروتهم الإيمانية. فعندما يقرر الطب نظرًا للحالة بالمتابعة الصحية فيجب أن نلحق بالوالدين لا بعواطفنا، فالعواطف ليست محصورة بمكان وزمان بل هي متحركة أينما تخط الأم بأقدامها لتحول التراب تحت قدميها إلى جنة متحركة. فأن تأسر أحد الوالدين في البيت لعجزه، لينتظر بعض الزائرين في أوقات فراغهم، ولينتظر عودتك من العمل والراحة ومجمل التزاماتك، وأن تضع لهم عاملة أجنبية تقضي جل وقتها على النت والبيت في شبه صمت مطبق، وقد لا تلتزم بنظام طبي في توقيت الطعام وتناول الدواء كما في الأقسام الطبية في بيوت المسنين.
 
وقد تكون هناك ممارسات لا إنسانية من بعض العاملات تثير قلقك إلى درجة وضع كاميرا بيتية خفية هي في حقيقتها تعدي على الخصوصية والدين وفضح لأعراض عاملات بذريعة القلق وبحجة أنها ليست مسلمة أو عربية! وفي ذلك خرق ديني وأخلاقي وإنساني. 
 
وأخيرًا، توفير بيت للمسنين منهم المرضى ومنهم من فقد ظروف طبيعية للحياة في بلد كأم الفحم فضلًا عن خدمته لهم فإن فيه أيضًا فتح لفرص العمل للعشرات إن لم يكن للمئات واستجلاب لميزانيات هائلة وحركة رائدة. وكذلك يشكّل مدخلًا إنسانيًا يتفوق على المحلات الاستهلاكية والمشاريع المشبوهة تمامًا كدبورية والتي يعد بيت الآباء فيها معلمًا إنسانيًا وحضاريًا ساق حتى اليهود إليه لتنكشف لك معلومة أقلها أننا لسنا أقل منهم في بر آبائهم. فهناك امرأة يهودية ذات مركز مرموق في مجتمعها تزور أمها يوميًا. وزوج يهودي يزور زوجته المقعدة في إخلاص ورعاية رغم أنها لم تتجاوز العقد الخامس. وامرأة من هرتسليا تزور صديقة أمها بشكل دائم! ونحن ما زلنا نلبس البر بالعقوق حسب مزاجنا وكذبنا على الله. لأن نسبة العقوق في البيوت أكثر منها بما لا يقارن في بيت المسنين ولأن العقوق أصلًا لا يقاس بتردي وضع صحي. 
 
ولأنك من موقع المسؤولية يجب عليك خدمة كل شرائح المجتمع وفقًا لميزان العدل والأمانة. وألا يكون المنع وفقا لوجهة نظر قد تكون خاطئة. إذ إن رفضك لإقامة مشروع لأم الفحم رغم توفر الفرص يقوم على حرصك الموهوم بدعم بر الوالدين في البيوت. فكيف إذًا ستوفق بين الآية "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، وبين الآيات التي تصرح بأن أغلب الناس ظالمون؟! هل كان على الرسول إلا البلاغ؟ إذًا فلماذا عليك الحكم والولوج إلى مشاعر الناس وظروفهم الصحية وحرمان البلد من مشروع حرمته دينيًا فشيطنته، ومشاريع أنت تعلم علم اليقين أنها لا ترضي ربًا ولا عبدًا.
 
أهو الإنصاف أم الإساءة لبيوت يرقد بها من لا يقلون وقارًا عن والديك، وأبناء لا تزيد عنهم برًا. فلا تجعل من قلبك بيتا للمسيئين، وبر بيوت المسنين إن كنت تحرص على دينك  بزيارتك ورعايتك ودعمك وبنائك علك تحظى بقليل من الحجة والدراية وشمولية الرأي والموقف. وإن كان العقوق كما تدعي دربًا لتلك البيوت، فاجعل سبيلك للبر فيها وبهذا فقد تكون بررت أكثر من أهلك! 

لاضافة تعقيبك الرجاء تعبئة البيانات


من نحن | اتصل بنا | للاعلان في الموقع | شروط الاستخدام




جميع الحقوق محفوظة لموقع المنار © 2017